الخطبة الاولى
إِنَّ الْحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بالله مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]، [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]، [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَشَرَّ الْأُمُوْرِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أيها المسلمون: عُرِضَ عَلَى سُلَيْمَانَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي حَالِ مَمْلَكَتِه وَسُلْطَانِه الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ )، قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ .. وَالْجِيَادُ: السِّرَاعُ .. ( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْت حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)، ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ سَهواً ..
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَقَالَ سُلَيْمَانُ: “وَاَللَّه لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي آخِرَ مَا عَلَيْكِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ فَضُرَبَتْ أَعْنَاقُهَا وَعَرَاقِيبُهَا بِالسُّيُوفِ وَتَصَدَقَ بِلَحْمِهَا عَلى الفُقَرَاءِ .. (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ).
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: “لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ، الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ .. (حَيْثُ أَصَابَ) أَيْ حَيْثُ أَرَادَ مِنْ الْبِلَادِ .. ( وَالشَّيَاطِينُ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) أَيْ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ وغَيْرَها مِنْ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ، وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مَا فِيهَا مِنْ اللَّآلِئ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا .. (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)، أَيْ مُوَثَّقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرَّدَ وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صَنِيعِه وَاعْتَدَى ..
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، أَيْ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاك مِنْ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتنَا فَأَعْطِ مَنْ شِئْت وَاحْرِمْ مَنْ شِئْت ( وَإِنَّ لَهُ عِنْدنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) أَيْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
عبادَ اللهِ ..ليسَ حديثي عن قِصَّةِ سليمانَ -عليه السَّلامُ- .. ولا عن مُلكِه العظيمِ .. وإنما عن تلكَ اللَّحظةِ التي نَدِمَ فيها على نسيانِ صلاةِ العصرِ حتى غربتْ الشَّمسُ .. وظنَّ أن ذلك ذَنباً كبيراً يحتاجُ إلى توبةٍ واستغفارٍ .. فتوجَّهَ إلى ربِّه العزيزِ الغفَّارِ .. ثُمَّ )قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي).. ولم يكتفِ بطلبِ المغفرةِ فقط .. بل قالَ بعدَها 🙁 وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)، وهذا مِثالٌ عظيمُ الشَّأنِ في الذَّكاءِ .. لعبدٍ اقتَنَصَ فُرصةً من فُرصِ العطاءِ ..فسألَ ربَّه الكريمَ بواسعِ الدُّعاءِ .. فلمَّا كانَ (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنَبَ لَهُ)، وحريٌّ أن يُستجابَ لمثلِه.. ولأنَ اللهَ (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)، ويستجيبُ دُعاءَهم .. استغلَّ سُليمانُ -عليه السَّلامُ- هذه الفُرصةَ فسألَ اللهَ تعالى مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه .. فأعطاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ ما سألَ.
فما أعظمَ يقينُ الأنبياءِ .. وما أجملَ حُسنُ ظنِّ الأتقياءِ .. فهم لا يَشكُّونَ في أنَّ توبةَ التَّائبينَ مقبولةٌ .. بل يعلمونَ أنَّ مع المغفرةِ عطايا مضمونةٌ.
يا أهلَ الإيمانِ ..تَمرُّ علينا في الحياةِ فُرَصٌ كثيرةٌ .. يحسُّ الإنسانُ فيها أنَّه قريبٌ من ربِّه -عزَّ وجلَّ- .. بسببِ عملٍ صالحٍ يعملُه .. أو بسببِ إقبالِ قلبٍ يحملُه .. يكونُ للنِّيةِ فيها شأنٌ عظيمٌ .. ويصبحُ للدُّعاءِ فيها أثرٌ جسيمٌ .. فتأتيه العطايا من ربٍّ كريمٍ .. وقد تكونُ فيها نجاتُه من نارِ الجحيمِ .. فمنْ منَّا يُحسنُ اقتناصَ مثلَ هذه الفُرصِ؟
وَمِنْ مَوَاقِفِ الْحِرْصِ عَلَى اغْتِنَامِ الْفُرَصِ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- لَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ”، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ”، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ”، فَقَالَ: “سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ”.
فَتَأَمَّلْ -أَخِي الْمُبَارَكُ- كَيْفَ بَادَرَ عُكَّاشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- وَاغْتَنَمَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ، فَفِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، نَعَمْ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فَازَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.
قَدِّمْ عملاً صالحاً .. تُعينُ فيه إنساناً .. أو تُفرِّجُ به عن مكروبٍ .. أو تتصدَّقُ فيه على مسكينٍ .. أو تُساعدُ مُحتاجاً .. ثُمَّ اسألْ ربَّكَ سؤالَ عبدٍ ذَليلٍ خطَّاءٍ .. يرجو ما عندَ اللهِ ويخافُ على نفسِه الرِّياءَ ..
بغيٌّ من بغايا بني إسرائيلَ .. كم أغوتْ .. وكم أغرتْ .. وكم أضلَّتْ .. وكم أضرَّتْ .. فسادُها كثيرٌ .. وخطرُها كبيرٌ .. غارقةٌ في وحلِ المعاصي والآثامِ .. وأوقاتُها معمورةٌ بالرذائلِ والإجرامِ .. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا –أيْ استقتْ له بخفّها- فَغُفِرَ لَهَا” رواه مسلم، فهي لم تسقِ كلباً لمُجردِ أنه كلبٌ عطشانُ .. بل لأنها تعلمُ أن هذا عملٌ يحبُّه اللهُ –تعالى- الذي أمرَ بالإحسانِ .. فأرادتْ رِضاه بأيْ عملٍ ولو كانَ صغيراً .. فعلمَ ما في قلبِها من الحُبِّ والرَّجاءِ وطلبِ الغُفرانِ .. فغفرَ لها كلَّ ما كانَ منها في غابرِ الزَّمانِ .. فسبحانَ الذي لا تضرُّه معصيةَ العاصينَ .. ولا تنفعُه طاعةَ الطَّائعينَ.
رجلاً ممن كانَ قبلَنا .. كانَ يمشي في طريقِه .. فرأى شجرةً على ظَهرِ الطَّريقِ تؤذي النَّاسَ .. فعلمَ أجرَ إماطةِ الأذى عن الطَّريقِ .. وفضلِ إزالةِ الأذى عن المسلمينَ .. قد لا يكونُ معه أحدٌ .. وقد لا يكونُ رآهُ أحدٌ .. ولا أظنُّ أنَّه توقَّعَ ما كتبَ اللهُ تعالى له بسببِ تلكَ الشَّجرةِ .. قالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: “لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ” رواه مسلم ، فكم من غُصنِ شوكٍ مررنا عليه .. وكم من زُجاجةٍ في الطَّريقِ رأيناها .. وكم من أذى على الشَّارعِ قد يؤذي النَّاسِ .. ولكنَّنا لم نُحسنْ اقتناصَ الفُرصِ.
هل سمعتُم برجلٍ من السَّابقينَ .. لم يعملْ فوقَ التَّوحيدِ خيراً قطُّ .. ولكنَّه كانَ يخشى حِسابَ اللهِ –تعالى- له في الآخرةِ .. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّهُ قَالَ: “إِنَّ رَجُلاً لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ؛ فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ وَتَجَاوَزْ؛ لَعَلَّ الله يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَمَّا هَلَكَ قَالَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لا، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لِي غُلامٌ وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ يَتَقَاضَى قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ وَتَجَاوَزْ؛ لَعَلَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللهُ -عزَّ وجلَّ-: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ”صححه الألباني.
فَلَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ… هَلْ رَأَيْتُمْ بِمِثْلِ مَاذَا يُسْتَجْلَبُ عَفْوُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ وَرَحْمَتُهُ-؟ أَلَيْسَ لَنَا مَوْقِفٌ مِثْلَ هَذَا نَتَجَاوَزُ فِيهِ عَنِ الْمُعْسِرِ .. ونسامحُ فيه المُخطئِ .. ونعتذرُ فيه للمسلمِ .. ونعفو فيه عن القَريبِ .. ونحسنُ فيه إلى المِسكينِ ..
ثمَّ نقولُ فيه بيننا وبينَ أنفسِنا: تجاوزنا لعل اللهَ أن يتجاوزَ .. وسامحنا لعلَ اللهَ أن يُسامحَ .. وعفونا لعلَ اللهَ أن يعفوَ .. وأحسنَّا لعلَ اللهَ أن يُحسنَ إلينا.
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً *** فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ *** فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً *** فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلّا الرَّجا *** وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ
أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِكَافَةِ المُسْلَمَين مَن كُلِ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ العليِّ الأعلى، أحمدُ ربي وأشكرُه على ما أعطى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آلِه وصحبِه البررةِ الأتقياءِ ..
أما بعد: يا أهلَ الإيمانِ، إن كانَ هذا الأجرُ الجزيلُ، والخيرُ الفضيلُ، قد وقع في الأمَّمِ السَّابقةِ .. فكيفَ بهذه الأمَّةِ التي قالَ اللهُ تعالى عنها: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
اسمعوا معي لهذا الحديثِ: عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: “جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ” رواه مسلم، سبحانَكَ ربِّي ما أكرمَكَ .. أمٌّ .. وأنتم تعلمونَ من هي الأمُّ وكيفَ شفقَتُها .. وتمرةٌ شقَّتها بينَ ابنتيها بما وضعَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- في قلبِها من الرَّحمةِ .. والنَّتيجةُ: وجوبُ الجنَّةِ والعتقُ من النَّارِ.
إن هذه الأمَّةَ قد جعلَ اللهُ –سبحانَه- لها من الفُرصِ لمغفرةِ الذنوبِ ورفعِ الدَّرجاتِ .. ما لم يجعلْه لغيرِها .. فأذكارُ الصَّباحِ والمساءِ وما فيها من الفضلِ .. والحمدُ بعدَ الأكلِ والشُّربِ ولبسِ الثِّيابِ .. والتَّرديدُ خلفَ المؤذنِ .. والدُّعاءُ بين الأذانِ والإقامةِ .. وقراءةُ القُرآنِ .. والتَّأمينُ في الصَّلاةِ والأذكارُ بعدَها .. والإحسانُ إلى النَّاسِ والحيواناتِ .. وإماطةُ الأذى عن الطَّريقِ .. وكثيرٌ من الأعمالِ التي لا تُحصى. بل قد جعلَ مواسمَ لمغفرةِ السيِّئاتِ والعتقِ من النَّارِ .. فرمضانُ وما فيه من الفضلِ الواسعِ .. وصيامُ السِّتِ من شوالِ .. وعشرُ ذي الحِجَّةِ .. وصومُ عرفةَ .. وصيامُ عاشوراءَ .. فأينَ نحنُ من هذه الفُرصِ؟
قَالَ أَحَدُ السَّلَفِ: “إِذَا فُتِحَ لِأَحَدِكُمْ بَابُ خَيْرٍ فَلْيُسْرِعْ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ”.
أينَ نحنُ من تلكَ اليَدِ المبسوطةِ على مدارِ السَّاعةِ ، قال صلى الله عليه وسلم: ” إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا” رواه مسلم، أينَ نحنُ من تلكَ الفرحةِ، قال صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ”رواه البخاري.
أيها الصائمون: اتَّقُوا اللهَ تعالى وَخُذُوا أَنفُسَكُم بِالجِدِّ لاغتنام الشَّهرِ ، وَاحذَرُوا الكَسَلَ وَالتَّوَاني ، فَمَا الشَّهرُ إِلاَّ أَيَّامٌ مَعدُودَاتٌ ، وَمَن صَبَرَ فَازَ وَظَفِرَ ، وَمَن تَكَاسَلَ وَتَغَافَلَ وَسَوَّفَ وَمَاطَلَ ، فَلَن تَتَوَقَّفَ الدُّنيَا لأَجلِهِ ، وَلَن تَبكِيَ السَّمَاءُ وَالأَرضُ عَلَيهِ ، بَل سَتَمضِي قَوَافِلُ العَابِدِينَ الحَامِدِينَ الرَّاكِعِينَ السَّاجِدِينَ ، وَسَتَستَمِرُّ وَهُوَ وَاقِفٌ مَكَانَهُ ، وَسَيَأتي قَومٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ وَيُحِبُّونَهُ ” ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ “. فبادرْ يا عبدَ اللهِ قبلَ أن يُغلقَ البابُ .. فتندمُ حينَ لا ينفعُ العِتابُ.
بَادِرِ الفرصةَ واحذر فوتَها***فبلوغُ العِزِّ في نَيْلِ الفُرَصْ
واغتَنِمْ عمرَكَ إِذْ بان الصبا***فَهْو إِنْ زادَ مع الشيب نَقَصْ
جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَمِمَّنْ إِذَا نُصِحُوا انْتَصَحُوا، وَمَتَى دُعُوا إِلَى الْخَيْرِ أَجَابُوا، وَإِذَا عَمِلُوا أَحْسَنُوا وَأَصَابُوا.
هذا وصلوا و سلموا على رسول الهدَى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه قائلاً:” إِنَّ الله وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ..”. فَاللهمَّ صَلِّ وَسَلم عَلى عَبدِكَ ونبيِّكَ مَحَمدٍ…
اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ ودمِّرْ أعداءَ الدِّينِ، اللهمَّ من أرادَ بالإسلامِ والمسلمينَ كيدًا فردَّ كيدَه في نحرِه، اللهم أهلكْ الظَّالمينَ بالظَّالمينَ، وأخرجْ المسلمينَ منهم سالمينَ ..
اللهم عُمَّ أوطانَ المسلمينَ بالأمنِ والسلامِ. اللهم انصرْ إخوانَنا في فلسطين، فَرِّجْ هَمَّهُم، وَنَفِّسْ كَرْبَهُم، اللَّهُمَّ ارْفَعْ رَايَتَهُم، وَاكْبِتْ عَدُوَّهُمْ.. اللهم كن للمسلمين المستضعفين في السودان، اللَّهُمَّ وَحِّدْ صَفَّهُم، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُم.. وولي عليهم خيارهم.. اللهم وأتمَ النصرَ والأمنَ على إخوانِنا بسوريا، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان… اللهم إنا نحمدُكَ على نعمةِ الأمنِ والأمان، اللهم احفظْ جنودَنا وحدودَنا، ومحارمَنا وحُرُماتِنا. اللَّهُمَّ احفظْ وليَّ أمرِنا خادمَ الحرمينِ الشريفينِ، وسدِّدْهُ ووليَّ عهدِهِ، ووفِّقْهُما لِما تُحبُّ وترضى.
اللهم تقبل منا الصيام والقيام، ووفقنا فيما بقي من الليالي والأيام، وتجاوز عن التقصير والآثام يا ذا الجلال والإكرام،
اللهم أعتق رقابنا من النار…. يا أرحم الراحمين..
اللَّهُمَّ ٱرْحَمْنَا وَوَالِدِينَـا، اللَّهُمَّ ٱغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَخُصَّ مِنْهُمُ ٱلحَاضِرِينَ وَٱلحَاضِرَاتِ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ هُمُومَهُمْ، وَٱقْضِ دُيُونَهُمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ رَحْمَتَكَ وَرِضْوَانَكَ، يَا رَبَّ ٱلعَالَمِينَ.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين..





